المقالات

كان القلب يبكي وكنت انا على حافة البكاء


قصة فصيرة
كانت الساعة تدق الثانية عشرة عندما مللت الجلوس علي المقعد الجلدي المنتصب
الظهر، توقفت في منتصف الحجرة ارقب رفأ للحمام منسوجأ بالبسيط البني الكالح, أتبين بياض خيوطه التي كانت بيضاء، أحاول ان اميّز أحنجة كانت له، كانت خيوط النسيج نافرة في مواضع كثيرة، لم يبق واضحأ غير عيون دائرية خضراء خلف مناقير حادة منكسرة ومضمومة، سمعت وقع اقدام منتظما يقترب في الممر خارج الحجرة، رفعت رأسي، كان باب الغرفة مواربأ، مر من اليمين الي اليسار, لم يلتفت,خرجت مسرعأ ولحقت به, أمسكت بمرفقهوالتمست إليه قائلا:
(الم يحضر المحقق بعد؟)، سألته: (لو…)،لم اكمل، تركني واقفأ بالممر ودقات حذائه العسكري
تزداد اتساعا علي بلاط الممر العاري كلما ابتعد.
تنفرج الستائر السوداء الغليظة قليلأ عن نوافذ مقفلة ومسيجة بشباك حديدية
وشمس تكاد تشرق وأن تهرب ضوء ها للمكان، حدثت نفسي: ماذا لوعدوت الأن..؟، لو قفزت
ونزعت ومزقت تلك الاستار الغليظة وأنطلقت وطرت عبر الزجاج الحق بعصفور يفتتح
انشودة للصباح تحت الشمس والمطر قبل ان يرحل خلف رزق يومه.. ماذا لو…؟، ثم سقطت
منهكأ علي احد المقاعد.
وقف المحقق عن مقعده الضخم خلف مكتبه العريض تعلو فمه الدقيق ابتسامه
مرسومة، وملصقة بعناية علي انفه وعينيه، اشار إلي المقعد علي يمين المكتب، لم اجلس،
واصل القراءة في ملف مفتوح امامه ناظرأ الي بين الحين والاخر، سألت في عصبية عن سبب
استدعائي؟!. عن تركي بغرفة الانتظارحتي الفجر؟
ضيع عقرب الثواني دورة كاملة في الساعة المعلقة فوق راسه.. اهتزت يدي وانا
اشعل السيجارة، ألقيت بعود الثقاب في المنفضة وجلست، زايلني التوتر فجأة، كل شيء
يحدث – كما توقعت – سيلاطفني قليلا، ويسألني عن احوالي، ثم رويدا رويدا تنهمر الأسئلة،
أسئلة عن كل شيء، عن الاصدقاء والاعداء والحرب والسلام والاقتصاد ورغيف الخبز وعن
سبب ارتداء النساء للحجاب، عما أعلم ولا أعلم، ضغط علي جرس امامه.
دخل رجل الممر يحمل صينية عليها كوبان من الشاي، وضع احدهما امامى، وقف
المحقق واخذ يسير في الغرفة عاقدا يديه خلف ظهره – كمراقبي الامتحانات – مرت دقيقة في
ساعة الحائط، توقف في منتصف الغرفة لحظتين، أحسست عينيه في صدغي، التفت ببظ،
انفرجت شفتاه قائلا: سترد علي جميع الأسئلة الموجودة بالملف الاخضر الموضوع امامك
بوضوح وبدقة وبالتفصيل، قاطعنه قائلا: اريد.. لم يدعني أكمل، وأردف يقول: سيكون هذا في مصلحتك لا داعي للتمويه والكذب، قاطعت قائلا: ولكن… وللمرة الثانية لم يعطني الفرصة لأي استدراك، وقال: امامك ساعتان (!) قالها بلهجة حادة وصارمة.
اغلق باب الغرفةخلفه، مددت يدي، فتحت الملف، لكل ورقة سؤال يقف وحيدأ في قمة
البياض مطبوعأ علي الآلة الكاتبة، كنت في تلك الحالة من الانتباه الشديد التي تلي الإرهاق
والسهر عندما تصير الحواس مشدودة كالأوتار, كنت في حالة ما بعد التعب، وكان القلم يسير
داخل يدي علي الورقة البيضاء لا يكتب بل يرسم، التفت للصفحة رايتني قد رسمت شجرة
جرداء وسماء ملبدة بالغيوم ، قلبت الصفحة، سرح بي الخيال وجمحت بي الذكريات ( كالفلاش في آلة التصوير )، رسمتني واقفأ انتظرك” لينا”، ورسمت الامطار تهبط علي وجهي المرفوع لأعلي، تتسلل خلسة الي قلبي تمسح عنه حزنأ لم تدمع له عيناي، هيه يامجنون،صرخت جذلة وهي تضع مظلتها فوقنا – أتتذكرين لينا عندما كنا على البحر – لم تأخرت؟،سألتها في شجن وعتاب، – لم لم تحضر انت؟،سألتني في غضب طفولي، تعرفين سئمت كل تلك الاجتماعات التي تبدأ كل مرة من حيث بدات في المرة السابقة، ولا تنهتي ابدأ الا لأجتماع اخر، وظل الذهن شاردا برهة مع ” لينا” والبحر ومظلتها، وخصلات شعرها، وخيوط المطر، وأنا ولينا ندفع دخان القنابل المسيلة للدموع.
رسم القلم خظأ كاد يمزق الورقة التي ارتفعت في يد المحقق قرب عينيه، نظر اليها
ثانية مغمغمأ ثم كورها بيديه، وأطاح بها صارخأ: نحن لانلعب.. نحن لانلعب، ثم امسكت يداه
بياقة قميصي وهو يهزم ويكرر نفس الجملة في غضب جنوني..كانت الاقدام تتدافع الي داخل الحجرة بينما انسل القلم من يدي وتدحرج علي البساط تحت المكتب، كانت يده تنهال علي وجهي يمينا ويسارأ، فازداد التصاقا بملابسي و” وخيوط المطر”
..أحدهم يقذفني، لاحدهم فأرتمي “تحت مظلتك” : حذاء يملا الافق مندفعأ الي انفي فـ
“نجري اذ تسقط قنابل الدخان امامنا”، يأتي جنود مدرعون من الوراء، نجري لليمين، نعدو
يأتون نجري _ فيأتون، “تذهب يدي ليدك” ونهرب للمنتصف، ياتون من كل اتجاه _ نقف
جسدين كالمترس، ويدانا في يدينا، كأنهما حجر، كان القلبي يومئذ يبكي، وكنت أنا على
حافة البكاء.

التصنيفات :المقالات