المقالات

الرسائل الغرامية بين ألبير كامو وماريا كازارس


ترجمة سعيد بوخليط

الرسالة (25)

الخميس 12 غشت 1948
آه حبيبتي،كم كنتُ سعيدا بالأمس . لقد صادفتُ رسالتكِ حين عودتي مساء .وقد قضيتُ اليوم بأكمله في جبل فوكلوز Vaucluse ، على هضبة مقفرة، مفتونا بالدفء ، و زيز الحصاد ثم الأدغال اليابسة .
في طريق العودة قلتُ مع نفسي ربما تنتظرني رسالتكِ(يمر ساعي البريد ظهرا) . هكذا وجدت أمامي رزمة رسائل أغراض مختلفة ثم وأنا أتصفحها بسرعة لم أنتبه لرسالتكِ لحظتها ، أحسستُ بتضاعف كبير لتعب مشي ذلك اليوم الطويل وأيضا بنوع من الجفاف . لكن حينما صعدت إلى مكتبي ، عثُرتُ على ما ترقبته . صار خط كتابتكِ صغيرا إلى حد ما ، بينما توقعت كما الشأن معكِ سابقا،انحناءاته وانثناءاته الجامحة .
بالتالي أجدني أمام كتابة مُدَرَّبة،متراصة،تهتدي بي عبر جوانب إطار الرسالة ، وفق إيقاع لازمة تكرست . هكذا قفز قلبي من مكانه . وحيدا في هذا المكتب الهادئ مع كل ضجيج الليل المتأتي عبر شباك النافذة،انكببتُ على التهام صفحات رسالتكِ . يتوقف قلبي أحيانا . فيما سبق انساب مع قلبكِ ، ينبض مع مجرى الدم نفسه ، ونفس الدفء ، وكذا ذات السعادة العميقة .
طبعا ، أود أن أكتب فورا كي أستفسركِ عن بعض الشروح ، تهم المقاطع التي ربطت بي مسؤولية تعطيل كل شيء . لكن هذا الصباح أدركت لاجدوى فعل ذلك من خلال رسالة . لذلك حين لقائنا،سأعيد قراءة هذه الصفحات أمامكِ وسأطلب تفسيرا حول كل كلمة على منوال مايجري داخل فصل في الثانوية . ماتبقى لدي هذا الصباح ، سعادة عميقة ، متحررة وشاكرة ، بعد الأرق الكبير الذي أصابني تلك الليلة ، وأنا أقلِّبُ في دواخلي جُمَل رسالتكِ .
لكن حبيبتي ، أردتُ تقديم جواب دون تماطل على الأقل بخصوص أمر يهمني . حدثيني عن سعادتكِ فقد أوضحتُ لكِ هذا الجانب من حياتي الذي اعتقدتيه محظورا .
عزيزتي ، لاتسكن شخصيتي أسوار ، ولاحدائق سرية . بل أنتِ مفتاح كل الأبواب . لم أكشف لكِ سابقا حيثيات هذا الموضع،نتيجة سببين . يعود السبب الأول إلى ثقل حمولة هذا الجانب من حياتي ولا أريد التشكي . يوحي الظاهر بوجود قليل من البذاءة وأنا أتحدث عن نفسي فيما يتعلق بهذه القضية . لقد فهمت ليلتها ، أنه بوسعي الإفصاح عن كل شيء في حضوركِ وأشعر حاليا بأني متحرر ومنطلق أكثر . أما السبب الثاني ، فيعود إليكِ .
أتصور بأن هذا قد يكون وقعه مؤلما عليكِ وتفضلين في المقابل إلغاء الموضوع من سياق أحاديثنا . أستحضر دائما حساسية أن أثير حزنكِ أو ضجركِ . أنتِ وحدكِ من بوسعه تخليصي من الأمر.سأشرح لكِ بإسهاب حين لقاءنا ثانية ثم بأقل انفعال إن استطعتُ،مقارنة مع تلك الليلة .
أرفض تجسيد أي نوع من الغموض ، والتجلي بالمطلق أمامكِ،ضمن نطاق الوضوح والثقة وتدركي حسب ذلك إلى أي حد يمكنك الاعتماد علي ، ثم مختلف مايتعلق بي . لن تكوني وحدكِ، قدر رغبتكِ في ذلك ، ومهما حدث بيننا . مادامت سترافقكِ دائما ، أفضل الأشياء التي يضمرها قلبي .
أشعر بالقلق جراء الأخبار التي سمعتها عن أبيكِ ، ومضطرب أيضا من خوفكِ . ربما يعود تفاقم وضعه الصحي إلى مسألة التكيف مع المناخ الجديد ؟ أتمنى ذلك . عموما أخبريني بأي تحسن في حالته . لاتنسي.أحب ماتحبين وأقلق حقا .
كم أنا حانق ضد نفسي لأني لم أرتِّب الوقائع جيدا وتركتكِ طيلة هذه الأيام دون إحاطتكِ علما بأخباري . عرفتُ في خضم السعادة التي تغمرني منذ البارحة ليلا ، دلالة الجمود الذي استكنتُ إليه غاية اللحظة ، وانتابني شعور الغضب لأني تركتكِ بنوع من الرعونة في نفس الحالة ، بينما توخيتُ أساسا القيام بكل مايلزم حتى تلمسي بأن فكري يصاحبكِ .
أردت وأريد مساعدتكِ حسب حدود رغباتكِ ، مع أن أشياء كثيرة (تفلت من عجلة المجتمعي) متوقفة عليكِ أنت . وقد انصب هاجسي الأول على أن لا أترككِ وحيدة خلال هذه الأسابيع .
عموما ، لاتنسي أن تطلبي من إنجيل الانتباه إلى مسار رسالتي هاته . وستكون بحوزتها رسالة أخرى بعثتها إليكِ حسب تفاصيل عنوانكِ في شارع فوغيرار Vaugirard (1) ( شكرتكِ على الهدية الرائعة . كانت رسالتي السريعة إلى ميشيل بخصوص هذا الموضوع مجرد طريقة للإفادة بالاستلام ، لأني أكتب إليكِ أساسا ) .
تطول فقرات هذه الرسالة . سأجيب عن نقط أخرى طرحتيها . حاليا أقبل نمطكِ . أكتب إليكِ مترقبا أن ترسلي إلي التتمة . لنمشي وفق إيقاع خمسين ساعة على سبعين . لكن أخبريني فعلا بأن احتياجي لكِ ، لايتحمل تسوية .
بدوري ، مرتجفا وأنا أفكر فيكِ ، في حضوركِ المادي،شكلكِ الذي يشبه عُقاب البحر ، ثم خيوط شعركِ السوداء … كما تلاحظين هاأنا بصدد الانطلاق . لكني أذوب وأنا أدبِّج مختلف هذا ، بحيث يبتلعني بحر من النعومة .
صحيح ، عزيزتي ، الصغيرة ، ماريا ، تأخذ الكلمات ثانية دلالتها ، بل الحياة نفسها . فقط عندما تكون يدكِ موضوعة على كتفي .
إلى اللقاء ، حبيبتي ، لقد أقبل شهر شتنبر، ومعه يحل ربيع باريس ، إننا بمثابة ملوك لهذه المدينة ، عاهلين بكيفية سرية ومتحمسين سعيدين ، إن أردتِ دائما .
أترككِ الآن ، أيتها الملِكة الخفية ، أحضنكِ بكل قلبي .
هاهو شيء من نبات الزعتر اقتطفته أمس من الجبل كي أرسله لكِ . إنه عطر الهواء الذي أستنشقه يوميا .

* هامش :
(1)حين وصولهما إلى باريس سنة 1936 ، استقرت ماريا وغلوريا كازارس في شقة مفروشة تتواجد في شارع فوغيرارVaugirard وتحديدا في فندق ” باريس – نيويورك ” ، ثم انتقلا سنة 1940 ، إلى استئجار منزل آخر في نفس الشارع .

مصدر الرسالة :
ألبير كامو وماريا كازارس : رسائل(1944- 1959) . منشورات غاليمار،2017 .

http://saidboukhlet.com المصدر

التصنيفات :المقالات